ابن قيم الجوزية
585
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وصاحب هذه الحال - في حال سماعه - يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النفس ، فيفوته من روح المسموع ونعيمه ولذته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة . ولا سبيل له إلى حصول ذلك بتمامه ، حتى تضع الحرب أوزارها . وربما صادفه في حال السماع وارد حق ، أو الظفر بمعنى بديع لا يقدر فكره على صيده كل وقت . فيغيب به ويستغرق فيه عما يأتي بعده . فيعجز عن صيد تلك المعاني . ويدهشه ازدحامها . فيبقى قلبه باهتا . كما يحكى أن بعض العرب : أرسل صائدا له على صيد . فخرج الصيد عليه من أمامه وخلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، فوقف باهتا ينظر يمينا وشمالا . ولم يصطد شيئا . فقال : تكاثرت الظباء على خراش * فما يدري خراش ما يصيد فوظيفته في مثل هذا الحال : أن يفنى عن وارده . ويعلق قلبه بالمتكلم . وكأنه يسمع كلامه منه . ويجعل قلبه نهرا لجريان معانيه . ويفرغه من سوى فهم المراد . وينصبّ إليه انصبابا يتلقى فيه معانيه ، كتلقي المحب للأحباب القادمين عليه . لا يشغله حبيب منهم عن حبيب . بل يعطي كل قادم حقه . وكتلقي الضيوف والزوار . وهذا إنما يكون مع سعة القلب ، وقوة الاستعداد ، وكمال الحضور . فإذا سمع خطاب الترغيب والتشويق ، واللطف والإحسان : لا يفنى به عما يجيء بعده من خطاب التخويف والترهيب والعدل . بل يسمع الخطاب الثاني مستصحبا لحكم الخطاب الأول . ويمزج هذا بهذا . ويسير بهما ومعهما جميعا ، عاكفا بقلبه على المتكلم وصفاته سبحانه . وهذا سير في اللّه . وهو نوع آخر أعلى وأرفع من مجرد المسير إليه . ولا ينقطع بذلك سيره إليه . بل يدرج سيره . فإن سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته . ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكة ، واشتد تعلقه به : لم تحجبه معاني المسموع ، وصفات المتكلم بعضها عن بعض ، ولكن في الابتداء يعسر عليه ذلك . وفي التوسط يهون عليه ، ولا انتهاء ههنا البتة . واللّه المستعان . فهذه كلمات تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان ، والأحوال المستقيمة . وأما السماع الشيطاني : فبالضد من ذلك . وهو مشتمل على أكثر من مائة مفسدة . ولولا خوف الإطالة لسقناها مفصلة . وسنفرد لها مصنفا مستقلا . إن شاء اللّه . فهذا ما يتعلق بقوله : « إن من الأنس بالشواهد : التغذي بالسماع » . وقوله : « والوقوف على الإشارات » . « الإشارات » هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد ، ومن وراء حجاب . وهي تارة تكون من مسموع . وتارة تكون من مرئي . وتارة تكون من معقول . وقد تكون من الحواس كلها . فالإشارات : من جنس الأدلة والأعلام . وسببها : صفاء يحصل بالجمعية . فيلطف به الحس والذهن . فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة . لا يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : الصحيح منها : ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى .